شهد المشهد الجمعياتي عقب 2011، انفجارا وتخمة غير مسبوقين، مما جعل هذه الجمعيات تشكّل جزءا من العملية السياسية في تداخل معقّد ظهر من خلال تقارير محكمة المحاسبات.
ويطرح تمويل الجمعيات في تونس عدة إشكاليات خاصة فيما يتعلق بالأموال الأجنبية باعتبار أنّ المرسوم عدد 88 لسنة 2011 يسمح للجمعيات بتلقي تمويلات أجنبية خاصة في إطار اتفاقيات التعاون الدولي بين تونس والدول والمنظمات والهيئات الدولية.

تجاوزات دون محاسبة

كشف تقرير لمحكمة المحاسبات أنّ التمويل الأجنبي للجمعيات يتجاوز الأرقام الرسمية، ما يكشف تقصيرا مستمرا بشأن جدية مراقبة مصادر تمويل الجمعيات بالبلاد، والتي ينشط بعضها في إطار حزبي.

وأظهرت محكمة المحاسبات أن حجم التمويلات الأجنبية التي استفادت منها الجمعيات، وفق المعطيات المتوفرة لديها، بلغت 68 مليون دينار سنة 2017 و78 مليون دينار سنة 2018 في وقت لم تُعلم فيه الـ 566 جمعية الحكومة بتلقيها تمويلات أجنبية المصدر.

وأضافت محكمة المحاسبات في تقريرها الـ 32 أن الأرقام التي توصلت إليها أعلى من تلك التي أوردها البنك المركزي، والتي تقارب 27 مليون دينار سنة 2017 و17 مليون دينار سنة 2018، مبيّنة أن أرقام البنك المركزي التونسي المتعلقة بحجم التمويلات الأجنبية للجمعيات، تمثل 41 في المائة من الحجم المتوقع لسنة 2017 و22 في المائة من الحجم المتوقع لسنة 2018.

ولفت التقرير إلى أن الكتابة العامة للحكومة ليست لها الآليات الضرورية للتفطن إلى كل المخالفات المرتكبة بهذا الخصوص وتسليط العقوبات المستوجبة، وهو ما يثبته عدم علمها بتمويلات للجمعيات بقيمة لا تقل عن 31.8 مليون دينار.


في هذا الإطار، نبّه الباحث في القانون الجمعياتي رضا السكرافي إلى وجود تفاوت بين النص القانوني المنظم للجمعيات الذي يتميز، حسب تعبيره، بصبغة تحرّرية وبين الممارسة الواقعية التي تراوح بين التراخي في تطبيق النص أو الذهاب نحو الانحراف به وسوء تأويله.

كما أشار إلى أن الإشكال يتعلق أساسا بضعف النصوص التشريعية وعدم تطبيقها باعتبار أن الإدارة العامة للجمعيات برئاسة الحكومة لا تمتلك الموارد اللوجيستية والبشرية اللازمة لتطبيق آليات الرقابة وأحكامها إلى جانب غياب التنسيق مع مختلف المتداخلين.

من هي الجمعيات التي تنشط في تونس؟

حسب آخر إحصائيات مركز الإعلام والتكوين والدراسات والتوثيق حول الجمعيات (إفادة) تنتصب 23855 جمعية إلى حدود 9 مارس 2021 منها أكثر من 7000 جمعية بولايات تونس الكبرى.
وتنشط هذه الجمعيات في 16 مجالا، تتوزع كالآتي

قرينة الإثبات صعبة

يحجّر القانون الانتخابي قيام أي جمعية بتمويل أو دعم حزب سياسي أو مرشح للانتخابات، ويعتبره تمويلا مقنّعا للحملة الانتخابية، لكن التداخل بين المجالين، الجمعياتي والحزبي يبدو واضحا وتزداد حدته مع كل استحقاق انتخابي.
وقال عضو الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عادل البرينصي لـ”JDD”، إنّ الإشكال في هذه العملية يكمن في صعوبة قرينة الإثبات بسبب ضعف القوانين وغياب هيئات مختصة، وتخلّف آليات الرقابة، مشيرا إلى أن إثبات جريمة تلقي الأحزاب لتمويل أجنبي عبر الجمعيات صعب باعتبار أنّ القانون يسمح للجمعيات حصرا بتلقي هبات من الخارج.
مشيرا إلى أن الإرادة السياسية في تغيير القوانين والمشهد غائبة لأن جميع الأطراف تعتمد المخاتلة في الخطاب السياسي، حيث تتذمّر من عدم القدرة على مراقبة تمويل الجمعيات والمنظمات لكن لا أحد يخطو أي خطوة في اتجاه تغيير التشريعات والآليات، لأن الجميع مستفيد من ذلك بطريقة أو بأخرى، حسب تعبيره.