عاد الجدل في تونس، مؤخّرا حول أحقيّة تغيير النظام السياسي ومدى فاعلية هذه الخطوة بعد حوالي عقد من اختيار حكم برلماني معدّل عاشت تونس خلاله اهتزازات وأزمات سياسية وصراع صلاحيات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية من جهة وبين رأسي السلطة التنفيذية من جهة أخرى، وجاء ذلك عقب تصريح منسوب لمستشار رئيس الجمهوريّة وليد الحجّام، قال فيه “إن هناك ميلا لتعديل النظام السياسي في تونس ربما عبر استفتاء وإنه يُفترض تعليق الدستور وإصدار نظام مؤقت للسلطات”.

التقييم الموضوعي أوّلا

في هذا الإطار، اعتبر أستاذ القانون الدستوري عبدالرّزاق المختار، لـ”JDD Tunisie”، اليوم السّبت 11 سبتمبر 2021، أنّ الفصل 80 من الدستور لا يسمح بتعليق العمل به مما قد يدعو إلى التشكيك في كلّ الإجراءات التي اتّخذها رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد والسردية الدستورية التي بنى عليه خطابه والقائمة على تأكيده على أنه يحترم النصوص والقوانين.
وأضاف أنّ الأنظمة تطورت حسب التجارب الأم، البرلماني في بريطانيا والرئاسي في الولايات المتحدة الأمريكية لكن هجرة هذه الأنظمة خارج سياقاتها أنتجت تكييفا أو تشويها باعتبار أنّها ليست نقلا نصيّا للدساتير من مكان إلى آخر بل هي فضاءات مجتمعية، وفق قوله.
وفسّر أنّ التجربة البرلمانية ناجحة طالما توفّرت فيها الشروط في حين أن تونس اعتمدت هذا النموذج دون أحزاب عريقة بما يضمن إنتاج التداول وبرامج الحكم الواضحة إلى جانب الدمج بين آليات النظامين البرلماني والرئاسي بسبب تخوفات مبررة وأخرى غير مبررة خوفا من العودة إلى استبداد الفرد.
وأكّد محدّثنا أنّ المطلوب حاليا هو المسافة والموضوعية وعدم الانفعالية من خلال تقييم التجربة السابقة رغم أن مؤسساتها لم تكتمل مشيرا إلى أنه وجب الحذر من الاعتماد على الظرف أو شخص رئيس الجمهورية للتحليل والتقييم لأنّ الشرط الأساسي هو الشرط المجتمعي، وفق تعبيره.

تعطيل متبادل

دعت أستاذة القانون الدستوري، سلسبيل القليبي، إلى تجّنّب العودة إلى النظام الرئاسي لأنّ إمكانية حصول تعطيل بين السلط واردـ وذلك باعتبار أنّه إذا لم يكن للرئيس أغلبيّة برلمانيّة تسانده فقد يتعرّض للتعطيل من خلال سنّ قوانين تتعارض تماما مع السياسة التي يختارها مشيرة إلى أنه في هذا النموذج السياسي لا يملك رئيس الجمهورية الحق في المبادرة التشريعية.

الصيغة التفاضلية غير ممكنة

في هذا الإطار، صرّح الباحث في القانون الدّستوري والنائب المؤسّس رابح الخرايفي، لـ”JDD Tunisie”، اليوم السّبت 11 سبتمبر 2021، أنّه لا يمكن الجزم بأن هذا النظام أفضل من غيره لأنّ لكلّ منهما محاسنه ومساوئه.
وقال الخرايفي إنّ أفضل الأنظمة السياسية هي تلك التي تتماشى مع التركيبة الذهنيّة والسياسيّة للشعب مشيرا إلى أنّ النظام البرلماني المعدّل غير مهيّئ للحكم بسبب النخبة أحيانا والتركيبة السوسيولوجيّة للتونسيين التي لا ترى السلطة إلا بيد رئيس واحد إلى جانب صياغة بعض النصوص غير المرنة.


وأضاف الخرايفي أنّ فكرة الرئيس يجب أن تكون مُرفقة بجملة من الآليات لعدم الجنوح نحو الاستبداد، ومن بين هذه الأليات برلمان قوي لا يدخله إلّا الأكفّاء والنزهاء من خلال تغيير القانون الانتخابي والتقليص في عدد النوّاب إلى جانب ضمان استقلاليّة القضاء وإرساء المحكمة الدستورية مضيفا أنّه يجب أن يحظى الرئيس بكتلة برلمانيّة قويّة تساعده على تمرير مشارعه دون عوائق.
وفسّر محدّثنا أنّه لا يمكن الجزم بأنّ اختيار رئيس الجمهوريّة للعودة إلى النظام الرئاسي تقدير خاطئ باعتبار أنّه لم ينشر وثيقة رسمية قابلة للنقاش والنقد وكلّ ماصدر عن المؤسسة لا يتجاوز التصريحات القابلة للتأويل، وفق قوله.

“صحن تونسي”

رئيس الجمهوريّة قيس سعيد شدّد في أكثر من مناسبة على أنه لن يعود إلى الوراء في إشارة إلى عزمه المضي قدما في إجراء تغييرات جذرية للنظام السياسي، وهو بذلك وفي لمواقفه السابقة لترشحه للانتخابات إذ وصف النظام الذي انبثق عن الدستور الجديد في تصريح سنة 2014، بـ”الصحن التونسي” أي أنّه هجين ويصعب تصنيفه.

وقال سعيّد إن الأطراف السياسية لم تعمل على إقامة توازنات جدية بقدر محاولتها افتكاك صلاحيات معينة حسب ما يتوافق مع رؤاها السياسية وقد انتهت هذه المحاولات بإضافة بعض الصلاحيات لرئيس الجمهورية ليبقى مركز الثقل الحقيقي بيد الحكومة. وأضاف سعيد أنه يمكن اعتبار هذا النظام “مزدوجا” ولكن ليس بالمعنى التقليدي نظرا لأن حقيقة السلطة تبقى بيد البرلمان ورئيس الحكومة مما يجعله نظاما مزدوجا أقرب للنظام البرلماني، أو هو أساسا نظام برلماني أدخلت عليه بعض التعديلات التي جاءت إثر صراعات سياسية صلب المجلس التأسيسي.