بقلم الدكتور الصحبي بن فرج:

نشر أحد قياديي منظمة أنا يقظ، بعد أقل من ساعة من  تكليف السيدة نجلاء بودن بتشكيل الحكومة بأنها  “موضوع تحقيق” في قضية لم يذكرها، لتتلقف الخبر صفحات ومواقع النهضة وأتباعها وتنطلق جوقة التشويه.
ومن يتابع ما تنشره أنا يقظ يُخيّل له أن الـ12 مليون تونسي فاسدون ربما باستثناء قيادات المنظمة، وذاك قصة آخرى من قصص “الديموقراطية التونسية”.

قرابة الـ 200 مليار لا تزال “نائمة” في خزينة الدولة بسبب سوء إدارة نجلاء بودن


بحثنا عن “الملف” ووجدنا أنه يتعلق بالتصرف في قرض ب70 مليون دولار تحصلت عليه وزارة التعليم العالي من البنك الدولي سنة 2016 تحت عنوان Promesse وهو موجه لتطوير منظومة التعليم العالي|التشغيل ويهدف إلى الحد من بطالة حاملي الشهادات العليا.
هذا هو المشروع الذي أشرفت على إدارته السيدة نجلاء بودن كما ورد في سيرتها الذاتية المنشورة
إدارة مشروع  Promesse  صرفت 149 الف دينار من جملة 70 مليون دولار المتعاقد حولها (قرابة ال200 مليار) والموضوعة على ذمة المشروع والوزارة والدولة.
أما بقية المبلغ فلا يزال “نائما” في الحفظ والصون في خزينة الدولة.
غالبية مبلغ ال149 الف دينار تم صرفها على تنظيم ندوات وورشات عمل ودورات تكوينية واقتناء تجهيزات مكتبية والمبلغ كان محل مهمة تدقيق من هئية الرقابة المالية CGF(كما يجري دائما في مثل هذه المشاريع).

“إخلالات” عديدة تشوب “مشروع Promesse ” 


وقد خلص تقرير الهيئة الى وجود إخلالات وأخطاء تصرف من نوع غياب علاقة تعاقدية مع  مزودي الخدمات والاعتراض على اقتناء بعض المشتريات بدون تحديدها وانتقاد طريقة إعداد جداول البيانات المالية، ولا يكاد تخلو كل تقارير للرقابة المالية والادارية من هذا النوع من “الاخلالات” علما بأن ثلثي الندوات والورشات  والدورات التكوينية (سبعة على عشر) تم تنظيمها في مقرات ومؤسسات تابعة للدولة على ما يبدو حرصا من مديرة المشروع للحفاظ على المال العام. 
هذا بكل بساطة ، ما اعتبره أحد قيادات أنا يقظ وبعض المؤلفة قلوبهم قضية وملفا وسوء تصرف وربما فساد (كم كرهت هذه الكلمة) في مشروع ب70 مليون دولار (في الواقع 149 ألف دينار)
الكارثة العظمى والفضيحة الكبرى تكمن في أنه لا أحد تساءل ولا تكلّم ولا إستغرب من عجز الدولة التونسية ووزارة التعليم العالي بالذات عن إستغلال واستثمار بقية مبلغ القرض الموجود على ذمتها : قرابة ال200 مليار مجمدة في الخزينة طيلة خمس سنوات ولم ينتفع بها لا الجامعة التونسية  لا الطلبة والشباب ولا سوق الشغل، وهذا بالتحديد ما ورد في  تقييم ممثل البنك الدولي لسير تنفيذ المشروع : غير مرضي
لو كنت مسؤولا عن جهاز الرقابة، أو مسؤول عن منظمة رقابية أو صحفيا إستقصائيا لكان سؤالي الاول والوحيد الموجه للمسؤولة عن تنفيذ المشروع : لماذا صرفت 149 الف دينار فقط؟ لماذا فقط؟
وبالأحرى لماذا لم تصرفي قرابة 200 مليار لتحقيق أهداف المشروع طيلة خمس سنوات كاملات؟
الأغلب على الظن أن تكون الإجابة كالتالي:


أولا، مجموعة اللوبيات والمصالح وربما المافيات المسيطرة على قطاع التعليم العالي (والمسيطرة على كل القطاعات والوزارات بالمناسبة) تقوم آليا بتعطيل كل مشاريع التطوير والإصلاح والتأهيل التي تضر بمصالحها ومنافعها المرسلة وتمنع بكل الطرق والوسائل أي شخص يواجهها او يتجاوزها، تمنعه من تنفيذ الاصلاحات العميقة التي ينوي القيام بها والتي تتضمنها أغلب مشاريع التعاون الدولي.


ثانيا، عمليا لا يمكن إنجاز سوى تقارير الدراسات وتنظيم الندوات والملتقيات ودورات التكوين لأنه المجال الوحيد المتاح وسهل التنفيذ في إدارتنا العتيدة
ببساطة وبدون مواربة ولا لف ولا دوران ، لأن أخطر وأقوى لوبي متنفذ في الادارة التونسية هو لوبي الدراسات والتكوين، ولو يتم فتح هذا الملف لاكتشفنا كوارث مسكوت عنها لا يعلمها الا الراسخون في الإدارة (والشرفاء في الوزارات والإدارات يعلمون ذلك جيدا ويفهمون جيدا ماذا أقصد)   
ثالثا، لان القائمين على مشروع Promesse  (وكل المشاريع المماثلة) سيكونون تحت خطر اللوبيات المجتمعة عليهم وتحت طائلة الفصل 96 إذا ركبوا رؤسهم وتجاوزوا الخطوط الحمر المرسومة لهم في الادارة والتصرف.

وهذا بالذات ما يغلق نهائيا كل أبواب الاصلاح و الاجتهاد والخلق والابداع والسير على الطرق المغلقة والغوص في المناطق المحرمة
رابعا، لأن الامر الحكومي والتشريعات المنظمة لوحدات التصرف في مشاريع التعاون الدولي هي اوامر و تشريعات متخلفة وعبثية لا تؤدي الاّ الفشل أو الفساد .


لنفس هذه الأسباب ، نحن نعجز عن استغلال مبالغ طائلة موضوعة على ذمة الدولة، بما يعادل خمسة مليار دولار (أي 15 ألف مليار تونسي) حسب تصريحات مسؤولي البنك الدولي والاتحاد الاوروبي،
ولهذا نحن لا نستفيد من مبالغ طائلة إقترضناها وتحصلنا عليها وندفع تكلفتها المالية بدون أن تُنفّذ كليا أو جزئيا، وكان بالإمكان أن تحقق قفزة نوعية لقطاعات كاملة ومناطق واسعة وفئات شعبية ضعيفة
ولهذا أيضا نخسر ونضيّع فرص مشاريع قروض وهبات ومساعدات طائلة إضافية فرطنا فيها لأننا في تقييم المؤسسات المالية الدولية، نُصنّف كدولة عاجزة عن الإنجاز و إستغلال الموارد المتاحة لها فظلا عن السعي للحصول على موارد أخرى. 
هذا هو الفساد الحقيقي، هذا هو الفساد الإجرامي الذي يمنعنا من الإقلاع والتحليق، وليس مخالفات تافهة لآليات صرف متخلفة لمبالغ بائسة مثل مبلغ ال149 الف دينار المذكورة أعلاه..

أمثلة عديدة ومؤلمة

* السيد زياد لعذار وزير التعاون الدولي السابق ذكر منذ أيام كيف عطلت البيروقراطية العريقة مشروع لصيانة المدارس العمومية بقيمة 400 مليار ممولة من البنك الاسلامي، وكيف أضعنا فرصة تمويل رقمنة الادارة بتمويل أمريكي في شكل هبة ب200 مليون دولار.


*في ندوة انتظمت في سيمينار الذاكرة الوطنية للاستاذ عبد الجليل التميمي،  أسهب السيد سفيان ڨربوج الخبير لدى البنك الدولي في الحديث عن فضيحة  “تجميد” وتعطيل مشروع  تطوير المشاهد الغابية الممول من البنك الدولي بقيمة 100 مليون دولار مما أدى الى سحب البنك لنصف المبلغ في انتظار سحب المشروع برمته (وهو مشروع كان من المفروض أن يستفيد منه مليون مواطن، وأن يرفع الناتج الوطني الخام بثلاث او اربع نقاط خلال سبع سنوات علما بأن نسبة انجاز المشروع بعد اربع سنوات لا تتجاوز ال 5٪)
*وزارة البيئة رفضت (نعم رفضت)  تبني وإنجاز مشروعي الواحات Oasis و Sahara الممولين من البنك الدولي بقيمة 140 مليون دولار والموجّهين لإنقاذ الواحات التونسية التاريخية وتطوير الزراعة والسياحة في الصحراء….. رفضتهما الوزارة  بتعلة عدم توفرها على إطارات قادرة على إدارة المشروع
السيدة نجلاء بودن، المكلفة بتشكيل الحكومة، لو تنجحين فقط في “تحرير” الخمسة مليار دولار المجمدة في أزقة الإدارة التونسية،  فستكونين بذلك قد نجحت في مهمتك وبامتياز : مكافحة الفساد، عصرنة الإدارة، الإقلاع الاقتصادي، مقاومة الفقر، النهوض الاجتماعي لشرائح ومناطق كببرة ….. وتفجير الطاقات البشرية والطبيعية الهائلة الكامنة والمهدورة، والتي تنتظر بفارغ الصبر
والأهم من كل ذلك بالنسبة لك شخصيا، أنك إذا نجحت في هذا الملف بالذات، فستصبحين حبيبة الصناديق والمؤسسات المالية الدولية …….. فهم لا يريدون من تونس سوى شيء واحد : الإنجاز.   “